محمد حسين علي الصغير

22

تاريخ القرآن

عليه ، ولكنه لا يعدو الوقت المناسب في تقدير اللّه عزّ وجلّ ، وما تحويل القبلة إلي الكعبة ، وإبطاء الوحي في حادثة الإفك ، وفترة الوحي حينا ، والتلبث في قصة أهل الكهف ، إلا شواهد تطبيقية على ما نقول ، وأدلة مثبتة : أن الوحي خارج عن إرادته ، ومستقلّ عن ذاته . ولا شك أن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم آمن منذ اللحظة الأولى - بقناعة شخصية متوازنة - بأن ما يوحى إليه ليس من جنس الأحلام وأضغاثها ، ولا من سنخ الرياضيات ومسالكها ، ولا من باب الأحاسيس القائمة على أساس من الذكاء والفطنة ، ولا من قبيل التخيلات المستنبطة من الحدس والفراسة ، وإنما كان بإيمان نفسي محض بأنه نبي يوحى إليه من قبل اللَّه تعالى ، وما الروايات والإسرائيليات القائلة بشكه في الظاهرة إلا ضرب من الأخيلة التي لا يدعمها دليل . « والحق أن وحي النبوة والرسالة يلازم اليقين من النبي صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم والرسول بكونه من اللَّه تعالى على ما ورد عن أئمة أهل البيت عليهم السلام » « 1 » . ويوحي اللَّه عزّ وجلّ لملك الوحي ، ما يوحيه الملك إلى النبي صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم عن اللَّه ، ويتسلّم النبي صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم الوحي ، فالوحي واحد هنا مع تقاسم المسؤولية ، وهو عام بالنسبة لكل الأنبياء ، وخاص بالنسبة لوحي القرآن أيضا ، فالملك يؤدي عن اللَّه لمحمد ، ومحمد يتلقى ذلك الوحي من الملك ، ويؤدي ما يوحي به إليه إلى الناس ، وكان ذلك طريق الوحي القرآني فحسب ، وقد صرح به القرآن الكريم بقوله تعالى : وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ - 192 « 2 » . والروح الأمين هو جبرائيل عليه السّلام بإجماع الأمة والروايات ؛ قال الطبرسي ( ت : 548 ه ) : « يعني جبرائيل عليه السّلام ، وهو أمين اللَّه لا يغيره ، ولا يبدله . . . لأن اللَّه تعالى يسمعه جبرائيل عليه السّلام فيحفظه ، وينزل به على الرسول

--> ( 1 ) الطباطبائي ، الميزان في تفسير القرآن : 20 / 328 ، ( 2 ) الشعراء : 192 - 194 .